بعد فرض السلطات الاستعمارية الفرنسية معاهدة الحماية على المغرب و ارغام  السلطان الشرعي مولاي حفيظ على التنازل عن العرش انفجر غضب الشعب المغربي و تأججت الثغور الوطنية في كل أرجاء البلاد و قد سخرت القوات الغازية كل إمكانيتها ووسائلها لإخضاع المقاومة الشعبية و احتواء الانتفاضات العارمة الرافضة للوجود الاجنبي.

ففي الشمال و الوسط و الجنوب ، انضمت فيها جميع القبائل إلى مقاومة الاحتلال   ففي فاس انتفاضة العسكر المخزني بتاريخ 17/04/1912 بعد تفكيك النظم العسكرية الثقليدية و بالريف  انضمت جميع القبائل إلى المقاومة حيث التفت حول محمد بن عبد الكريم الخطابي ، كما انضمت مختلف قبائل الأطلس  المتوسط إلى المقاومة حيث التفت حول موحا اوسعيد قائد القصيبة و موحا احمو الزياني قائد خنيفرة كما ان في الاطلس الكبير و المتوسط تزعم المقاومة المسلحة زايد اوحمد بتودغا و عسو اوبسلام بصاغرو وبتافيلالت انضمت القبائل الى المجاهد مبارك اوشطو  التورنيني و محمد بن ابي بلقاسم النكادي   اما في الجنوب فقد انتضمت المقاومة المسلحة بزعامة ابناء الشيخ ماءالعينين و خاصة الشيخ احمد الهيبة و من بعده الشيخ مربيه ربه و ابناء قبائل الصحراء و سوس و شنقيط و هي اشرس مقاومة و اطولها مدة في العالم العربي و الاسلامي انطلقت شرارتها الاولى بمعركة الداخلة في 09/03/1885م.  و تم  اخمادها سنة 1934 لتبدأ مرحلة المقاومة السياسية.

ورغم الصعوبات التي استهدفت تصفية حركته، فقد تمكن  الشيخ امربيه رب من تحقيق انتصارات باهرة  التي أقلقت الأجهزة الاستعمارية واظهرت كفاءة المجاهدين الصحراويين. ولولا تحالف القوات الاستعمارية،وتواطئ الخونة وتآمرها على وحدة المغرب، لتمكنت الحركة المعينية من إفشال المخطط الاستعماري في المغرب. ولعل معارك تادلة سنة 1328 هـ/1910م ومراكش سنة 1331 هـ/1912م وسيدي بوعثمان، وغيرها من المعارك التي قادها الشيخ ماء العينين وأبناؤه من بعده تؤكد هذه الحقيقة. فرغم أن المغرب أصبح تابعا لفرنسا وإسبانيا منذ سنة 1331 هـ/1912م حسبما تنص عليه وثيقة الحماية، فإن هذه التبعية لم تتم بصورة فعلية إلا بعد سنة 1353هـ/1934م.

جهاد الشيخ مربيه ربه كقائد اعلى للجيوش المجاهدين و خليفة أخيه الشيخ أحمد الهيبة    

كان الشيخ مربيه ربه خليفته في تدبير الشأن العسكري و تكوين الجيش الذي بلغ الوفا عديدة قائدا عسكريا متمرسا يؤمن بأنامن تيرس و الساقية الحمراء مستحيل اذا لم يكن هناك أمن في مراكش و فاس.

وقد عقد اجتماع عام تحت رئاسة الشيخ مربيه ربه و طلب من كل قبيلة أن تقدم العدد المناسب من أفرادها لتشكيل قوات المجاهدين حسب عدد أفراد القبيلة فالكبيرة تقدم في حدود 50 فارسا و الصغيرة على حسب عدد أفرادها و أن يكون الفارس مجهزا بكامل الأسلحة و العتاد .

قال الله تعالى:

" ومن الاعراب من يؤمن بالله و اليوم الآخر  و يتخذ ما ينفق قربات عند الله و صلوات الرسول ألا انها قربة لهم سيدخلهم الله في رحمته ان الله غفور رحيم "          الاية 99 سورة التوبة 

       لم يكن للمجاهدين سوى ايمانهم و بنادق عادية  وسيوف و خناجر وقطع مدفعية متوسطة ومع ذلك لم يثنهم التفوق التكنولوجي للاعداء ولا كثرة عددهم من مواجهتهم و تقديم أرواحهم دفاعا عن الحرية و الوطن و الكرامة

 تنسيق الشيخ مع باقي القِوى:

وجود تنسيق بين حركة الهيبة و باقي المقاومين في مناطق أخرى بالأطلس، وقد رصدت رسائل اليوطي خيوط هذا التنسيق في المقطع التالي:

«في هذه الحالة تأخذ الوضعية طابعا عاما أكثر جدية لأن التفاهم بين الهيبة والزياني أمر حاصل وهذا الأخير متفق مع سيدي رحو والروكي مما يجعل جهتنا الحربية الآن أمام وحدة متحققة منسقة الجهود».

ويؤكد اليوطي  وجود تنسيق أكيد بين المولى عبد الحفيظ وبين الشيخ أحمد الهيبة قائلا:

«تأكد تآمر مولاي حفيظ مع حركة الهيبة، ولقد شككنا دائما في ذلك خلال الشهرين الأخيرين لكن الألسنة بدأت تتحرر منذ ذهابه فالشخصيات من كبار الثقات صرحت لي أنه منع من جهة بعث رسائل المسالمة التي كان قد وعدنا بها وأنه لم يتوقف من جهة أخرى عن إرسال مبعوثيه السريين إلى المتوكي وإدريس ولد منو لتهييج الحركة وجعلها متزامنة مع ذهابه ليخلق لنا الحد الأقصى من المشاكل».

وزيادة في تأكيد وجود هذا التنسيق يضيف اليوطي في مقطع آخر: «لقد اندهش الجميع لفُجائية هذه الحركة والقفزة الكبيرة التي حققتها في ظرف قليل من الأيام، والآن فقط يمكن القول إن السبب ظهر لنا بيقين، ولا يجب البحث عن هذا السبب في مظان أخرى غير تعاون مولاي حفيظ».

لقد قض المولى عبد الحفيظ مضاجع الفرنسيين بمناوراته إذ أبدى رغبته في التنازل عن العرش مباشرة بعد إعلان الحماية مما كان سينفي المشروعية المصطنعة لتدخلهم في المغرب ومحاربة قبائله باسم السلطان، فاستمهله اليوطي محاولا إقناعه بتأخير إعلان تنازله لأجل ترتيب أوراقه. لكن المولى عبد الحفيظ سرب خبر تنازله والتاريخ المتفق عليه إلى جهات شتى تزامنت ثوراتها ومنها ثورة الجنوب.

وقد سرد اليوطي تفاصيل هذه المناورات ورفضه إرسال رسائل مسالمة إلى المجاهدين، وإرفاقها، إن أرسلها بكلام شفوي ينفيها، ولم يكتف بذلك إذ أورد شهادة القواد على وجود تنسيق بين السلطان والشيخ أحمد الهيبة مسجلا: «أن أقوالهم تتفق جميعا... على وجود اتصالات بين مولاي حفيظ والهيبة نفسه».

     الاستعداد لذهاب إلى مراكش

في يوم 24 رجب 1330 الموافق ل 9 يوليو 1912 وفي حشود هائلة تحرك الشيخ محمد  المصطفى مربيه ربه بصفته خليفة لأخيه الشيخ احمد الهيبة في محلة عظيمة و من قبائل " رأس الوادي " و "هوارة" وهشتوكة سهلا و جبلا و بعض قبائل العرب.لقد كان الشيخ في مقدمة المسيرة لتمهيد الطريق و تعبئة القبائل التي يمرون بها.
- قدمت كل قبيلة 20 فارسا للخروج مع الشيخ امربيه ربه ليفتح بهم الطريق إلى مراكش وليكونوا في مقدمة الجيش الذي سيقوده،

- قدم الكابا في هيأة مخزينة وروعة تبهر الأبصار باللباس والخيل الفارهة والرجل المنظم والقباب الرائقة.

وقد قال الأديب سيدي الحسن بن عبد الرحمن الاكراري يوم ورد ابن كابا:

الحمـد لله قد أشرقت الشمس
وخـامر الناس بشر لا نظير له
أقبل بهـــامتك العلياء بيعتنا
هـــذا رئيس ردانة أتاك وما
الناس سكـرى ببيعة الإمام فكم
بقيت للدين حصنا لن تشير إلى

 

 

وخامر الناس عن أجمعهم أنس
فانهـال منهم إلى أميرهم طيس
فالجــن قد هزه لنصرك الإنس
تنظره بعد وهــو للملا الراس
يعتاده من سكــــره الميس
سـواك في غربنا أصابع خمس
 

وقال شاعر آخر يهنئ الشيخ أحمد الهيبة لبيعة القائد حيدة قائد قواد رأس الوادي:

ليهنيك يا مــولا ي نصر مؤزر
تواردت القــواد حتى أتاك من
أتى الضرضري مع كب لكن حيدة
فحيدة رأس الكــل والغير أرجل
له الرأي حـقا والسياسة لا يرى
ألا أيها المــولى الذي تم أمره
لقد نلت هذا اليوم عــزا ومنعة
فقم لترى مراكــش منك ضيغما
فأنت لنا المهـدي لاشك ويح من

 

 

وفوز بكــل القائدين معــزر
إذا لم يجــىء فالملك أجذم أبتر
به وحده النصر العظيم المــؤزر
وحيدة قامــوس وغيره أنهـر
سوى ما اللبيب الحاذق العقل يبصر
ولما يجــل رأي ولا جال عسكر
وملـــكا عظيما شأنه لا يسطر
عن المغـرب الأقصى جميعه يزأر
لذلك مــن بعد البراهين ينــكر

 

وقال اخر لما جاءت قبيلة ايلالن للبيعة:

أيا مــولاي قد وافت هلالة
فهم جيل عن الأحكام أعصى
ولكــن سعد مولانا إذا ما
أدام الله أمــرك في اعتزاز

 

 

فليل السعد قـد أبدى هلاله
وأنأى من ثـــريا والغزالة
رمى غرضا قصا فهو الحبالة
تدين لــه الجبابر لا محالة

 

وقال اخر حين جاءت هوارة بمائة فارس:

نور الهــداية والتوفيق قد سطعا
فقـر عينا وطــب نفسا فأنت بها
بشرى بدولتك الغرا أو سيرتك الـ
فالله ينصر مــــولانا ويسعده

 

 

والنصــر بالرعب والتمكين قد جمعا
أولى وحبك فـــي الأقطار قد زرعا
ـمثـلـى ونجم سعـودك الذي طلعا
سعدا ويدنى من الآمــال ما شسعا

 

ولبعضهم يوم جاءت قبيلة ايت صواب :

لقد عاد الزمان إلى الصواب
قبيل فــي جبال شامخات
وأن بلادهــم والكل يدري
أمير المومنين أتاك كـل الأ

 

 

غداة هدى قبيل بني الصواب
وأوداء عميقـــات صعاب
لا منع من مبيتات العقــاب
نام غداة جاء بنو الصـواب

 

 

عندما تجاوز جيش المجاهدين وادي ماسة قصفت بعض السفن الفرنسية مواقعهم لكنها  لم تصب احد فتوجه إليها الشيخ مربيه ربه في كوكبة من  400 فارس و معه الحاج مسعود بن إبراهيم البعقيلي و القائد الكابا وبعد تراشق لم يدم طويلا رجعت السفن الحربية الفرنسية

 إطلاق النار بامصكرود:

بعد خروج الحركة من تارودانت و لما بلغت منطقة امسكرض اعترضهم العربي أخو القائد عبد المالك المتوكي و تم إطلاق النار الذي انتهى باستسلام العربي و أخوه المتوكي و انضموا إلى جيش المجاهدين . وكان مع الشيخ مربيه ربه في  الطليعة كل من القائد المدني و سعيد الامزالي و سيدي محمد أعبو . و في  الحوز استقبلهم القائد يرعاه السباعي. و كان الجيش يسير في نظام و انتظام تامين و انضباط كامل

     استقبال الشيخ مربيه ربه:

خرج كبار أعيان مراكش و القواد و العلماء و في مقدمتهم المدني الكلاوي و شقيقه التهامي و القائد العيادي الرحموني و إدريس بن منو بصفته باشا المدينة و مفوض السلطان مولاي عبد الحفيظ في الجنوب لاعتراض طريقه ومجابهته،لكنهم عدلوا عن ذلك و انقلبوا من المدافعة الى المهادنة   فأمرهم المجاهد الشيخ مربيه ربه أمرهم كلهم بالتوجه إلى إمام المجاهدين و قائدهم الشيخ احمد الهيبة لتقديم البيعة له كإمام وأميرالمجاهدين فتلقوه بنحو عشر كيلومترات من مرا كش فقدموا الهدايا عربونا عن انضمامهم للجهاد  ضد المستعمر  الفرنسي الذي أصبح قريبا جدا من مراكش . 

- المنازل التي فتحها الشيخ امربيه ربه:


- أتبان ضاحية تزنيت – فوق وادي ماسة – ادا ومحمد بهشتوكة – الاثنين بهوارة – امسكروض – اسيف يِّيج – تيمزجاد يوين – انبنسيرن – امنتانوت – ناحية شيشاوة عند (يرعاه السباعي) – مزوضة – فروجة – تاصفصافت – صهريج البقر – ثم مراكش
            

      دخول مراكش :

في مراكش كان أول من اتصل بالشيخ مربيه ربه من قواد مراكش هو القائد الناجم ثم بعده كل من القائد الكولي و القائد انفلوس على رأس 600 فارس من حاحة .

 دخل الشيخ مربه ربه مراكش في مقدمة جيش المجاهدين و استقبله سكان مراكش بالبارود و الطبول و الزغاريد  فأمر بأمان الناس جميعا و إبقاء كل واحد في وظيفته و خدمته حتى يقدم الشيخ احمد الهيبة.

وكان وقع دخول الشيخ أحمد الهيبة و أخوه الشيخ أمربيه رب و باقي أبناء الشيخ ماء العينين و المجاهدين من كل القبائل دويا كبيرا في جميع أرجاء المغرب .

-زيارة شرفاء أبناء مولاي الحسن وقد لبسوا اللباس الرسمي فجاءوا مجتمعين للسلام على ابن عمهم وصديق آبائهم الشيخ أحمد الهيبة.

- قدوم القواد الحاحيون على الشيخ بمراكش وبالخصوص القائد عبد الرحمان الجيلولي، والقائد محمد انفلوس، وآخرون في خيل كثير وقد اهتزت بهم مراكش.

* اعتقال القنصل الفرنسي و رفض الشيخ أحمد الهيبة للمساومات.

* بدأ الصراع بين الهيبة و الفرنسيين بأزمة الرهائن.

* استعمال الهيبة الرهائن كورقة ضغط ليحول دون تقدم القوات الفرنسية.

أمر احمد الهيبة باحتجاز القنصل ميجريه   Maigret  و ستة من اعوانهم بينهم :

- الدكتور            * كيشار      Guichard

- الضباط           * هارينغ    Haring     * هانيس    Hanus    * كوداي   * الرائد فرليت   Verlet

هرب جميع الفرنسيين في اتجاه طريق آسفي قاصدين البحر للفرار نهائيا من المغرب.

 لم يستطع (مانجان) الاقتراب من مراكش وبقي في مشرع بن عبو حيث جاء الجنرال ليوطي شخصيا للاجتماع به في المشرع ولترتيب خطة الهجوم، وكان هدف ليوطي هو تحرير الفرنسيين الذين بقوا بمراكش لا لاحتلالها.

 رفض الشيخ أحمد الهيبة عرض الباشا الكلاوي بايعاز من فرنسا بتقديم 150 إلف ريال وهو مبلغ كبير جدا آنذاك مقابل إطلاق سراحهم.

و بأمر من  الجنرال ليوطي قام الكلاوي بمحاولة ثانية و يتمثل العرض في مهادنة فرنسا لمدة 50 سنة و أن تبقى في مكانها لا تجاوزه جنوبا ،رفض العرض كذالك و قفل باب المساومات في إطلاق سراح القنصل و من معه. لم يكن أحمد الهيبة رجلا يشترى و كان شرطه مقابل الإفراج عن القنصل و من معه خروج فرنسا من المغرب.

عرض الفرنسيين هدنة مع الشيخ  احمد الهيبة لكنه رفض، قال الشيخ محمد الإمام :" لكن لم ينفع معهم صلح مستمر لأجل تباين المقصدين : فانه يرمي الى استقلال المغرب التام وهم يرمون إلى انتشار الحماية ولولا هاتان النقطتان لامكن التفاهم بينهما فيما سوى ذالك"  و  يسجل اليوطي في إحدى رسائله التي لم تكن موجهة للدعاية ولا للرأي العام ضعف وتذبذب الحملة الفرنسية عُدة وعددا لو اكتفت بنفسها، كما يتحدث عن نهج قادتها إستراتيجية دفاعية محضة ومعاناتهم أثناء عملية التقدم وضربهم ألف حساب للجيش المناوئ. فهو يؤكد مثلا في رسالة مؤرخة باليوم 21 غشت 1912، أي على بعد أيام قلائل فقط من المعركة ضعف الحملة الموضوعة تحت إمرة الكولونيل (Mangin) .

يقول ليوطي:«إن مسألة تحرير مواطنينا تُطرح بشكل مقلق جدا غير أنه رغم استعجالنا كل ما بقي متوفرا من قوة في مشرع ابن عبو، فإن من المستحيل أن يتوفر لدينا تجمع كاف قبل سبعة أو ثمانية أيام عددا وعدة وآلات ووسائل نقل للتدخل في مراكش بطريقة ناجعة، وإذ ذاك فقط تمكن محاولة القيام بعملية سريعة».

ويقصد بالمواطنين المراد تحريرهم القنصل الفرنسي ورفقاءه الذين أسرهم الشيخ أحمد الهيبة عند دخوله إلى مراكش والذين كان لهم شأن أي شأن في مجريات الأحداث وفي ضبط التنسيق بين القواد بداخل مراكش، والحملة كما سنرى بعد. ومن أهم ما نستخلصه من كلام اليوطي أنه لم يكن يطمح حتى بعد وصول الإمدادات إلى أكثر من حملة سريعة تحرر الرهائن، بل وتعود إلى ما وراء نهر أم الربيع إذ أن صعود الشيخ أحمد الهيبة إلى مراكش كان مفاجئا وغير منتظر يقول اليوطي: «وكيفما كانت عاقبة القتال المعلن فإنه لم تبق تحت تصرفنا بالشاوية ولو وحدة واحدة، والمراكز لا تشغلها إلا فرق ضئيلة فهي إذن بدون حماية تماما وليس لدينا ما نستقدمه من المناطق الأخرى المهددة هي نفسها على جبهاتها؛ إن التطور المفاجئ للنفوذ السحري لحركة الهيبة بمناداته بالجهاد وبكونه استنادا إلى احتمالات قوية محركا بمؤثرات أخرى، خلف الوضعية الأكثر خطورة».

ونظرا للأسباب المسوقة أعلاه تعين على الفرنسيين الاحتياط واتباع سياسة دفاعية محضة مصحوبة بمناوشات يعود أصحابها دوما إلى ما وراء نهر أم الربيع، ونلحظ إصرارا على هذه الخطة من طرف اليوطي في رسالة بتاريخ 28 غشت 1912، أي حوالي أسبوع قبل المعركة الفاصلة، يقول:

«تبقى الحملة على مراكش معاكسة للبرنامج الذي وضعته لنفسي، أتمنى اجتنابها بأي ثمن بسبب الأعداد المهمة التي يتعين وجودها للبقاء هناك والحفاظ على الاتصال معها» فاليوطي يعترف صراحة بصعوبة موقفه، في حين يصور محمد المختار السوسي جيش الحماية متوثبا مهاجما قائلا: «ثم إن مربيه ربه خرج إلى الرحامنة في جيش يضم آلاف ليدافع جيش الدولة الحامية الذي يزحف شيئا فشيئا نحو الحمراء».

لم يفتح الشيخ أحمد الهيبة باب المفاوضات والمساومات الذي طرقه المستعمرون وصنائعهم وقد تركزت في مجملها على افتداء القنصل الفرنسي ورفاقه، يقول اليوطي:

«لقد حصل لي اليقين التام بأن المفاوضات لن تجدي حين عبر الهيبة لكل الوسطاء بأن شرطه الأول لتحرير الرهائن هو انسحاب الجنود خلف أم الربيع بل الخروج من المغرب كما أنه تملص من قبول أية فدية مالية».

ويسوق (Daniel Rivet) مقطعا من مراسلة تفاوضية من الشيخ أحمد الهيبة نصها: «لا أخاف سيوف الأعداء ولا خيل الذين يحاربون الله ورسوله» ويعلق الكاتب على هذا الموقف وأمثاله قائلا: «لم يكن الهيبة رجلا يُشترى».

 كما استقبل الشيخ أحمد الهيبة في مراكش عبد الحي الكتاني موفدا من قبل الفرنسيين  في فاس و عرض عليه مقترحا من الجنرال اليوطي يقول  فيه أنهم سيعطونه من أم الربيع إلى نهر السنغال جنوبا يكون تحت نفوذه يفعل فيه ما يشاء مقابل اعترافه بالحماية و ترك الجهاد. فرفض الشيخ أحمد الهيبة و بعد الحاح  الكتاني أجابه الشيخ الزاهد في الله:

"" و ياقومي مالي أدعوكم إلى  النجاة و تدعونني إلى النار ، تدعونني لأكفر بالله  و أشرك ما ليس لي به علم و أنا أدعوكم إلى العزيز الغفار ، لاجرم أنما تدعونني إليه ليس  له دعوة في  الدنيا و لافي الآخرة و أن مردنا إلى الله و أن المسرفين هم أصحاب النار، فستذكرون ما أقول لكم و أفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد"" سورة غافر الآية 44

قال محمد بن عبد الله الروداني محقق كتاب "إيليغ قديما وحديثا":

«... محاولة استمالته بكل أنواع الإغراء والأطماع ولكن بدون جدوى...». وهذا يؤكد خروجه برسم الجهاد..

تحتفظ الخزائن المغربية بوثائق مهمة تؤكد موقف هذه الأسرة السليم من الاستعمار، ورفضها لكل أنواع المساومة التي عرضت عليها.

لقد بعث الشيخ احمد الهيبة برسالة الى عمه الشيخ سعد ابوه الذي بعث اليه ابنه المحفوظ لاقناعه بمسالمة الفرنسيين ومصالحتهم يؤكد له فيها رفضه للمساومات الفرنسية ووفاءه لما يفرضه عليه الواجب الديني و الوطني.

يقول الشيخ أحمد الهيبة في هذه الرسالة :

لقد جاءنا أخي المحفوظ ، واخبرنا شفويا بنصائحك التي تؤكد مدى وفاء الحكومة الفرنسية لحلفائها، والتقدير الذي تكنه لآل محمد فاضل في أي مكان. وقد قال لنا المحفوظ بأن من مصلحتنا أن نلجأ إلى السلم، وبأنكم تتكلفون بضمان وفاء الفرنسيين وليكن في علم سيادتكم بأننا بعثنا أجوبة عن بعض الرسائل التي وردت علينا من شرفاء المغرب تحت إشراف السلطة. وتتضمن هذه الأجوبة الشروط التي ستوصلنا إلى ما تسعون إليه. ذو الحجة 1313 هـ/30 نونبر 1913.

نصيحة بعض القواد:

توجه كل من حيدة بن ميس و عبد السلام الجراري و أحمد الكابا الروداني و القائد الناجم و معهم آخرون إلى الشيخ أحمد الهيبة يحذرونه من مراوغة الكلاوي و أنه يسعى إلى اختراق الحركة الجهادية بايقاع الفتنة و إضعاف الحركة إلا أن الشيخ أحمد الهيبة رفض . وقال له حيدة :" لقد رأيت ما صنعوا بأولاد مولاي الحسن فكيف تأمنهم عليك بعد ذلك، فوض إلي فيهم الأمر." فرفض عرض  القائد حيدة بتصفيتهم لأنه كان مطلع على خبثهم ومكرهم و خداعهم. عندئذ قال له خليفته الشيخ أمربيه رب إن لم تقتلهم فدعني أمر بإجلائهم إلى الصحراء و حبسهم هناك حتى نسلم من مؤامرتهم. فأجابهم الشيخ احمد الهيبة بقوله  (أمان الله عليهم، هم مسلمون، وما كنت لأغدر المسلمين وهذا ختل وخديعة).

 كما  اقترح عليه قواد سوس  أن يجعل كل من الكلاوي و العيادي و ا لمتوكي لأنهم( أهل مكر و خديعة) في مقدمة الجيش  القبلي  الذي سيواجه الفرنسيين تحت امرة اخيه الشيخ مربيه ربه لكن لم يأخذ برأيهم عندئذ بدأ التحول في مسار الحركة الجهادية.