هجرة الشيخ مربيه ربه من كردوس الى طرفاية

 

     " الذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا لنبوئنهم في الدنيا حسنة ولأجر الاخرة أكبر لو كانوا يعلمون"  الاية 41 من سورة النحل

بعد تضييق الخناق على المقاومة المسلحة في الجنوب "اثر الحملات العسكرية الفرنسية التي قادها الجنرال" كاتر"و حاكم المنطقة الجنوبية، وبعد اختراق المقاومة من الداخل بواسطة العملاء  الخونة، و بعد تطويق فرنسا لكل قرى و مداشر كردوس و حصاره و بعد دخول كل القبائل على يد قوادها تحت الحماية الفرنسية  تاكد للشيخ مربيه ربه انه لم يعد من الممكن قتال القوات الفرنسية بجماعة قليلة العتاد و العدة و العدد فقرر الهجرة من كردوس الى طرفاية و معه عدد من خواصه و اقربائه، و لولا وعيه و فطنته باتخاذه قرار الخروج من عاصمة الجهاد كرودوس للارتكبت ابادة جماعية لاسرته و من معه من المجاهدين و للارتكبت مجزرة في حق سكان كردوس على غرار مجزرة مراكش بعد حروج الشيخ احمد الهيبة لان الجحافل الفرنسية المدججة باحدث الاسلحة مدعمة بالطائرات كانت على نية محو كردوس من الخريطة و تسوية جبالها بالارض و تدميرها بشكل كامل بقي الشيخ وحده صحبة أفراد عائلته و الطائرات  تمطر كردوس بالقنابل و القذائف و استشهد الكثير من اسرته فألتجأوا الى الكهوف للاحتماء بها من هول القصف الجوي . هذا القصف المدمر يثبت أن المستعمر ذاق وقض مضجعه من قوة الشيخ وصلابته و تصديه الباسل. وبقي المجاهد وماتخاذل ولا ستكان ولا استسلم للامر الواقع  بل آلى نفسه ان يبقى في ميدان الشرف و بندقيته على كتفه. وتنفس الفرنسيون الصعداء حينما هاجر الشيخ ودخلوا كردوس ليجدوه مهجورا ووجدوا أطرافه مهدمة بشكل كبير من جراء القصف الوحشي للطيران الفرنسي.

 و قد توجه الى طرفاية للاعتبارات التالية:

·      لم تكن عدواة مع الاسبان

·      كانت الصحراء امنة بالمقارنة مع الشمال

·      التوجه الى الجنوب سيكون انطلاق للمرحلة جديدة هامة في حياة الشيخ مربيه ربه.

لم يكن تشبت  الشيخ مربيه ربه  بفكرة الخروج من كردوس عشوائيا بل هوعين الصواب لأن بقاءه يعني استسلاما لفرنسا وهذا ما يرفضه بشدة و جاهد من أجله بقوة.

و كان خروجه اعجوبة  و كرامة ربانية لان اولياء الله لاخوف عليهم و لا هم يحزنون و كان من نصرة الله لا ولياء سلامة الشيخ طيلة هجرته من كردوس الى طرفاية

       ‏{‏ فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير ‏}‏     الاية 4 من سورة التحريم

 -عدم علم القوات الفرنسية بخروج الشيخ مربيه ربه الا بعد وصوله وادي درعة.

هاجرمن كردوس صحبة اثنين من أبنائه حسن و أبوبكر  ونفر قليل من أصحابه لا يملكون الا أربعة مراكب وقليلا من التمر و سلاحهم الايمان و التوكل على الله ومعهم من الاسلحة 5 من  الخماسية و 5 من الرباعية 5 من ساسب و مكحلتان في حوزة الشيخ.

و النفر هم  :

- محمد ماء العينين بن الشيخ احمد الهيبة[لقبه محمدي]

- محمد فاضل بن الشيخ مصطافي [لقبه الفقيه]

- محمد فاضل بن محمد الأغظف بن مصباح [لقبه ونوني]

- محمد بن الناو

- محمد مبارك بن الحاج المعلوم.

- المحجوب بن بوجمعة

- اسماعيل بن الشيخ محمد

- احمد بن الشيخ الجكني.

- ماء العينين بن المامي [بقي في زاويته بصبويا].

- ماء العينين بن الشيخ احمد.

- الطيب بن صنيبة.

  يقول واصفا خروجه ،( .. أما بعد فقد خرجنا من اكردوس بعد ثلثين مضيا من ليلة الاحد السابعة عشر من ذي القعدة عام 1352 هجرية وما نهضنا حتى أحاطت بنا الجنود الفرنسية من كل مكان بالمدافع و الطيارات، واحتلوا القبائل . ولو أنهم أتونا بمثل العدة التي في أيدنا لكان ظننا أنهم لن يحصلوا على طائل قياسا على الوقائع بيننا معهم في الماضي ، لكنهم أتونا بهذه الالات التي لم تكن عند القبائل و  الله غالب على أمره ... ثم انهم يوم السبت قبل مسيرنا ضربوا كردوس بثلاث و سبعين كورة من الطيارة و لم نفسد شيئا في الدار التي كنا بها لله الحمد ، وبعد ذلك يوم مسيرنا ضربته قليلا، و يوم الاحد الثامن بعد مسيرنا ضربوه أيضا بتسع طيارات كثيرا من الضرب و لم يفسد قليلا و لا كثيرا من الدار)

و يقول :(ثم اني لما أجمعت الراي على الخروج قال لي كثير من الاحباء نصحا منهم اني لا اقدر على المسير لكثرة الجنود أمامي و أن الطرق كلها محتلة من العساكر فلم ألتفت لذلك و عزمت وصممت و على الله توكلت و امتثلت ما قال الله تعالى : 

واذا عزمت فتوكل على الله

و قال ايضا :

﴿َ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنْ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيم (174) سوره ال عمران

و قبل الخروج أعلمت القائد سعيد البعقيلي و أخي الشيخ الجيه فنهضنا لما بقي من الليل الثلث، كما تقدم، وأصبحنا عند ديار من مجاطة قرب تزروالت،و بها محلة كبيرة لفرنسا ، وسرنا من عندهم بعد الظهر و الطيارات تمر عنا يمينا و شمالا و ربما تقرب منا جدا،فلما بلغنا بلاد رخاوة أخبرنا أن محلة أخرى نزلت بابي الاحبال (بويز كارن) ... فسرنا عامة الليل و شققنا جبال صعبة جدا ، ومررنا قرب تيملاي الفوقانية، فرأينا الاضواء عند المحلة المذكورة فاتكلنا على الله و لم نمل عن الطريق حتى ممرنا على أجنة ابي الاحبال "بويزكارن" والمحلة مخيمة بحواضه لم ترنا حتى جاورنا  تاكانت، فاذا بمحلة أخرى أضوائها تتقد، ومررنا غربي اكيسل  و دخلنا أباينو صلاة الصبح ... وأتتنا تلك ا لقبائل من كل جهة، و أقمنا ذلك اليوم في تبجيل و اكرام، و كلهم يتعجب من كيفية الاقدام على هذا.

و التقى في هذا اليوم بكل من القائد أمغار سعيد بن الحسين الخمساوي ومحمد بن القائد البشير، ومبارك الحسين بشام الهصباويين و غيرهم. ((... وقصوا علي ما فعلته محلة فرنسا في موضع سوق الثلاثاء من بلاد الاخصاص...)). وبعد يوم كامل أعلمهم الشيخ أنه "قاصد الطرفاية ". فتوجه اليها مرورا بصبويا التي مكث فيها يومين، وخرج معه من صبويا إلى طرفاية :

- ماء العينين بن الشيخ الطالب أخيار.

- محمد لمين بوستة [لقبة داد]

-عمر اصبيو

- صالح البوعيطاوي

ونزل قرب مدينة طرفاية في منطقة تسمى " تيدرارت" . في ضيافة "رمضان ين علوات" أحد أعيان قبيلة ازركيين ، ويقول الشيخ :(و أرسلنا من يخبر أهل طرفاية بنا، فلم نلبث الا يسيرا حتى اتانا أخوناو خليفتنا الشيخ محمد الاغطف على خيل الدولة مع بعض أصحابها، و بلغوا لنا فرح حاكم الدولة بنا  وأقمنا ذلك اليوم ثمة وبتنا، فلما قرب العصر من يوم الخميس  28 ذي القعدة 1353 توجهنا الى طرفاية و دخلناها  بعد صلاة العصر،حيث قوبلنا بالفرح و ضرب البارود على عادة الافراح)) .

 و أقام  الحاكم العام حاكم طرفاية: (" خوسي غونصا لودي ليما") حفلا كبيرا، ألقى فيه كلمة ترحيب بمقدم الشيخ، و ألقى الشيخ مربيه ربه كلمة من بين ماجاء فيها : (... المسلمون أحرار في بلدهم يفعلون ما ظهر لهم في اصلاح دينهم و دنياهم . كما أن الدول تفعل ما يصلح لها و كل دولة تنظر ما يليق بها و لم تعب دولة على دولة فعلها...).

ترك الشيخ امربيه ربه مستودعين مملؤين الاول بالمدافع والثانى بالرصاص ومستودعات اخرى مليئة بالمؤن  كما ترك الخيول وبعض البهائم الاخرى وعدة رؤوس من الانعام منها عدة ابقار حلوب وخزانة مهمة من الكتب اخذ المستعمرعدة اشياء تخص الشيخ كسيفه و خزانة كتبه.

مسار أهله من بعده :

الخروج من كردوس و التوجه الى كهوف بجبال مجاورة، لمدة 15 يوم

حلوا بايت الرخاء اواخر ذي القعدة ومكثوا بها مدة شهر وبها امضوا عيد الاضحى لسنة 1352 الموافق للاثنين 26/03/1934 مـ، وقد ارسل لهم عياد الجرارى الاضاحى وقدم اليهم وهم بايت الرخاء خليفة الشيخ امربيه ربه على هصباوة السيد سيدي عثمان بن حسن الذي رافقهم الى هصباوة وقد هيأ لهم عياد الجراري المراكب لنقلهم من ايت الرخاء الى هصباوة

هصباوة وبها مكثوا مدة 20 يوما،

استغرق اجلاء آل الشيخ ماءالعينين من كردوس الى طرفاية حوالي ثلاث أشهر 

افنى ومكثوا بها 7 ايام ثم ركبوا البحر وقت الظهر فوصلوا طرفاية آذان الظهر من اليوم الموالي على متن فرقاطة اسبانية.

أما احتفال اسبانيا بمقدم الشيخ نكاية بفرنسا التي احتضنت الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي فلم تتقبل ذلك (فرنسا) فدخلت في مفاوضات مع اسبانيا على اساس تسليم الشيخ امربيه رب اليها مقابل تسليم محمد بن عبد الكريم الخطابي الى اسبانيا و بعد جولات من المفاوضات اقتنعت اسبانيا بالفكرة فقررتا تنفيذها. يقول مؤرخ القبيلة الشيخ محمد شيبة بن الشيخ امربيه رب عن فشل المؤامرة وجنوح الباخرة إلى الشاطئ كما سمعها من عمه الشيخ الطالب بوي بن الشيخ ماء العينين : جاء الشيخ الطالب بوي الى اخيه الشيخ امربيه رب بعد صلاة المغرب وهو في مصلاه، و اخبره ان ضابطا اسبانيا قال له ان باخرة ستحل بطرفاية بعد 6 ساعات من الان لغاية واحدة وهي نفي الشيخ امربيه رب و اسرته بعيدا عن وطنه فما ظهر على وجهه اي انفعال و قال :

انـا لفي  حماية السلام

 ولا نبدل حماية السلام

 

وهو الذي يحمي علــى الدوام

حسبي ونحن في حمى السلام

 

 وبعد صلاة العشاء، بقي وحده في مصلاه يتضرع إلى الله و يتعبد و يصلي و يدعو و يستنجد ربه، و قال محمد شيبة انه يتذكر جيدا أن والده لم ينم تلك الليلة و قد أمر الشيخ في تلك الليلة مريده عبد الكريم أن يصعد إلى السطح فان رأى ضوء الباخرة يخبره بذلك، فلما جاءه الخبر بوصول الباخرة خرج الشيخ من الدار فأشار إلى الجهات الأربع  4 من بيته وبقي  يشير إلى الجهة الشمالية مرات عدة و هذه هي الجهة التي جنحت فيها الباخرة.

يقول الشيخ امربيه رب :

سهـــــرت أعين ونامت عيون
 إن ربــا كفـــــاك بالأمس ما كا
 فبـــــه تغفر الذنـــــــوب ومنه
 وبـــــه تكشف الكــروب ومنه
رب ثبــــت وانصر وأيد وسدد
 ليــــس شيء إلا يراه وتجري
 إن ربــــا كفاك بالأمـــس ما كا
 قــــد لجأنا لـــــربنا وكفـــــــانا
قــــد لجأنا لــــربنا وكفـــــــــانا
قــــد لجأنا لــــــــــــربنا وكفانا
 قــــدر الكل قبـــــل إيجاد شيء
 أيــــها الملتجي لربــــــك أبشر
حسبك الله ثق به لا تخف من
يرسل الخير يمسك الشر عمن
لأمـــــــور تكـــون أو لا تكون
ن سيكفيـــــك في غد ما يكون
يتوالى المنى وتقضـى الديون
ينجلي الهم والردى والشجون
حزبنا كــــي بـــــه تقر العيون
حركات بأمــــــره وسكـــــــون
ن سيكفيك فــــــي غد ما يكون
أمره عند قــــــول كـــن فيكون
غدر قـــــــوم و لا يزال المعين
ظلــــــم ليــــل سفينة و شؤون
ثم جاءت بمقتضــــــاه القرون
بالمرجــــى ولو رمتك الظنون
حادث إنــــــــــه القوي الأمين
ليس يأويه غيره ويصـــــــون

 

     كرس الشيخ ما تبقى من حياته للعبادة و التأليف و التعليم، في زاويته بطرفاية، وربط الاتصال بزعماء الحركة الوطنية السياسية في الشمال،  و التقى بالزعيم عبد الخالق الطريس  في غشت 1936، والتقى كذلك بكل من عبد السلام بنونة، كما ربط الاتصال ببعض رجال الفكر و السياسة بالمشرق العربي و التقى بالامير شكيب ارسلان في الديار المقدسة